محمدحسن القبيسي العاملي

23

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) يتصدقون فيؤدون ما أوجب الله تعالى من الحقوق الواجبة ويقرضونه بما لم يوجب عليهم في إعانة المحتاجين والضعفاء . ويعلمون الجاهلين من علمهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 4 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) ثم بين تعالى صفة المتقين . فقال وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني القرآن وما أنزل من قبلك يعني الكتب المتقدمة وبالآخرة يعني البعث والحساب يؤمنون . عود على بدء والشأن في اعجاز هذا القرآن المجيد ، هو الشأن في خلق الله جميعا ، وهو مثل صنع الله تعالى في كل شيء وصنع الناس . ان هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات . فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغون من ذراتها لبنة أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز كائنا ما كان . ولكن الله عزّ وجل المبدع يجعل من تلك الذرات حياة نابضة خافقة ، تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . وهكذا القرآن فهو حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا . ويجعل منها الله تعالى قرآنا وفرقانا . والفرق بين صنع البشر وصنع الخالق العظيم من هذه الحروف والكلمات ، هو الفرق ما بين الجسد الخامد ، والروح النابضة . ( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) . ومن أين يكون ريب أو شك ، ودلالة الصدق واليقين كامنة في هذا المطلع . ظاهرة في عجزهم عن صياغة مثله . وها هو ( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) . الهدى حقيقته ، والهدى طبيعته ، والهدى كيانه ، والهدى ماهيته ، ولكن للذين اتقوا الله فنور قلوبهم فأصبحوا يرون ما لا يرى سواهم .